والآن ما رأيك أيتها المشتاقة في جولة حرة ؟
هينا بنا لنرى الشجر والنخل يحيط بنا من كل مكان ..
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : " ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب " رواه الترمذي .
نعم ما من شجرة إلا وساقاها من ذهب .. وما من نخلة إلا وجذوعها من الزمرد الأخضر .
وأشجار الجنة دائمة العطاء , فهي ليست كأشجار الدنيا تعطي في وقت وفصل دون فصل بل هي دائمة الإثمار والظلال (1) .
عن يمينك شجرة ليست كباقي الأشجار .. حقا هي تبدو كالأخريات في جذوعها الذهبية وفروعها المصنوعة من اللؤلؤ , إلا أن الفرق بينها وبين باقي الأشجار أن هذه الشجرة كلما هبت عليها الريح وتحرك اللؤلؤ تصدر صوتا ما سمع السامعون صوتا ألذ منه .. ولا لحن أحلى منه ,, ولا عزفا أجمل منه .. قيل لأبي هريرة رضي الله عنه ما ذاك الغناء فقال : ( إن شاء الله التسبيح والتحميد والتقديس والثناء على الرب عز وجل ) (2) .
فهي أخيتي الغالية نفسك لسماع أنعام الآخرة فهي الصوت والنغمة العذبة الحقيقية , ليست كأنغام هذه الدنيا الفانية .
(1) الجنة والنار ( أ . د عمر بن سليمان الأشقر ) ص177 .
(2) الجنة دار الأبرار والطريق الموصل إليها ( الشيخ أبو بكر الجزائري ) .
والآن انظري أيتها المتعجبة إلى تلك الشجرة العظيمة الضخمة .
هذه شجرة هائلة لا يقدر قدرها إلا الذي خلقها ..
وقد قرّب رسول الهدى صلى الله عليه وسلم عظم هذه الشجرة بأن أخبر أن الراكب لفرس من الخيل التي تعد للسباق يحتاج إلى مائة عام حتى يقطعها إذا سار بأقصى ما يمكنه , ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : ( إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام وما يقطعها ) , وفي صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال . " إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة , واقرؤوا إن شئتم : { وَظِلٍّ مَمْدُودٍ } "
انتظري .. لم تنته المفاجئات بعد .. فهذه شجرة أعجب من الأولى .
تسمى (( طوبى )) تخرج من فروعها ملابس .. أما الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فإنه يصف ذلك النعيم العظيم فيقول : " ما منكم من أحمد يدخل الجنة إلا انطلق به إلى طوبى فتفتح له أكمامها فيأخذ من أي ذلك شاء , إن شاء أبيض وإن شاء أحمر , وإن شاء أخضر وإن شاء أصفر , وإن شاء أسود مثل شقائق النعمان وأرق وحسن , قال رجل : يا رسول الله ما طوبى ؟ قال : شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها " رواه أحمد .
وجميعها سيقانها من الذهب وأوراقها من الزمرد الأخضر والجوهر , وبطحاؤها ياقوت وترابها مسك أبيض ووحلها عنبر أشهب وكثبانها كافور أصفر وبسرها زمرد أخضر وأفناؤها سندس وإستبرق وزهرها رياض أصفر وورقها برود خضر وثمرها حلل صفر وسقيها زنجبيل وعسل وعبقها زعفران مبهج يتفجر من أصلها أنهار السلسبيل والرحيق وظلها مجالس أهل الجنة يألفونه ومتحدث يجمعهم تحتها (1) .
(1) بستان الواعظين ورياض السامعين ( لابن الجوزي ) .
وهي شجرة عظيمة تحت عرش الرحمن ويخرج من أصلها أربعة أنهار , ففي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " رفعت لي سدرة المنتهى في السماء السابعة , نبقها مثل قلال هجر , وورقها مثل آذان الفيلة يخرج من ساقها نهران ظاهران , ونهران باطنان .. " الحديث .
فهي ليست كشجرة السدر في الدنيا تكون أوراقها صغيرة ونبقها صغير وتكون ذات أشواك ..
ثم تأملي ـ رعاك الله ـ قول الحق تبارك وتعالى يصف لكِ شجر السدر في الجنة : { وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) } سورة الواقعة , والسدر هو شجر النبق الشائك لكنه في الجنة مخضود شوكه أي منزوع .
تأملي ـ أيتها المشتاقة ـ في قوله تعالى عندما نعت الجنتين فقال عز من قائل : { ذَوَاتَا أَفْنَانٍ } أي أغصان نضرة حسنة تحمل من كل فاكهة فائقة النضج ..
وفي موضع آخر من سورة الرحمن يقول الحق تبارك وتعال : { مُدْهَامَّتَانِ } أي اسودتا من شدة الخضرة ومن شدة الري من الماء (1) .
وفي الجنة أشجار من جميع ألوان الفواكه المعروفة في الدنيا ليس منها إلا الأسماء أما الجوهر فهو ما لا يعلمه إلا الله قال تعالى : { وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا (25) } سورة البقرة .
وقد ذكر من ثمار الجنة التين ـ العنب ـ الرمان ـ الطلح (الموز ) والبلح ( النخل ) والسدر ( النبق ) وفيها جميع ما خلق الله تبارك وتعالى لأهل الدنيا من ثمار ولكن ليس منها إلا الأسماء أما الكيفية لا يعلمها إلا المنعم المتفضل سبحانه .
(1) تفسير ابن الكثير (7/507) .
قال تعالى : { جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ (11) } سورة البروج , وقال سبحانه : { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) } سورة البروج .
فإنها أنهار الجنة وإن جرت في غير إخدود فهي تحت القصور والمنازل والغرف تحت الأشجار .
نعم أختي الغالية إنها تجري تحت غرفك وقصورك وبساتينك .
أنهارها في غير أخدود جرت ** سبحان ممسكها عن الفيضان
من تحتهم تجري كما شاءوا مفجـ ** ـرة وما للنهر من نقصان
قد تجدي في الدنيا من قصرها تجري من تحته الأنهار كما قال تعالى على لسان الطاغية فرعون : { وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) } سورة الزخرف , ولكن أي أنهار كروعة أنهار الجنة وصوت خريرها .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رفعت لي سدرة المنتهى في السماء السابعة , نبقها مثل قلال هجر , وورقها مثل آذان الفيلة يخرج من ساقها نهران ظاهران , ونهران باطنان , فقلت : يا جبريل ما هذا ؟ قال : أما النهران الباطنان ففي الجنة , وأما الظاهران فالنيل والفرات " رواه البخاري .
وللجنة أنهار وعيون تنبع كلها من الأنهار الأربعة الخارجية من الفردوس الأعلى , وقد ورد ذكر أسماء بعضها في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة منها :
* نهر الكوثر : وهو نهر أعطى لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الكوثر نهر في الجنة وعدنيه ربي عز وجل " , وقد سميت إحدى سور القرآن بأسمه ووصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن حافتاه من قباب اللؤلؤ المجوف وترابه المسك وحصباؤه اللؤلؤ وماؤه أشد بياض من الثلج وأحلى من السكر وآنيته من الذهب والفضة اسمعي إلى الشفيع صلى الله عليه وسلم يصفه لكِ فيقول : " بينا أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهرٍ حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف فقلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا الكوثر الذي أعطاك ربك , قال فضرب الملك بيده فإذا طينه مسك أذفر " رواه البخاري , وقال صلى الله عليه وسلم : " الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب وجراه على الدر والياقوت تربته أطيب من المسك وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج " واره الترمذي .
* نهر البيدخ : وهو نهر من يُغمس فيه يخرج منه كالقمر ليه البدر وقد ذهب عنهم ما وجدوه من أذى الدنيا .
* نهر بارق : وهو نهر على باب الجنة يجلس عنده الشهداء والشهيدات فيأيتهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا , ففي مسند الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الشهداء على بارق نهر بباب الجنة , في قبة خضراء , يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا " (1) .
* نهر الماء والخمر واللبن والعسل : قال تعالى : { مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى (15) } سورة محمد .
فأنهار الجنة أربعة نهر من العسل المصفى لا شمع فيه , ونهر من الماء الجاري الذي هو ألذ بكثير من ماء الدنيا , فهل لماء الجنة طعم خاص ؟! نعم فهو ليس كماء الدنيا دون طعم ! , ونهر من لبن لا يفسده صيف ولا شتاء بل تشعرين وأنت تغترفين من النهر وكأنك تحلبيه من ضرع لا ينضب ولا يتغير طعم ما فيه مهما طال الزمن عليه .. وأما النهر الأخير فهو نهر الخمر الذي ألذ من خمر الدنيا ولا يفتك بالجسد كفتك الخمر الدنيوي , ولا يسكر ولا يذهب بالعقل .. قال تعالى : { لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (19) } سورة الواقعة , وقال تعالى : { لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (47) } سورة الصافات .
واسمعي إلى المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم وهو يقول : " إن قي الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللين وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار بعدُ " رواه الترمذي .
* عين تسنيم : قال تعالى : { وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28) } سورة المطففين . , وهي أشرف شارب أهل الجنة وهو من الرحيق المختوم ويشربه المقربون والمقربات صرفا ويمزج لأهل اليمن مزجاً (2) .
* عين سلسبيل : قال تعالى : { عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلًا (18) }سورة الإنسان , وهي شراب أهل اليمن ويمزج لهم بالزنجبيل , قال مجاهد : سميت بذلك لسلاسة سيلها وحدة جريها (3) .
* عين مزاجها الكافور : قال تعالى : { إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) } سورة الإنسان , وهي شراب الأبرار وجميعها أشربة لا تسكر ولا تصدع ولا تذهب العقل بل تملأ شاربيها سروراً ونشوة لا يعرفها أهل الدنيا يطوف عليهن بها ولدان مخلدون كأنهم لؤلؤا منثورا بكؤوس من ذهب وقوارير من فضة .
وبعض عيون الجنة لم ترد أسمائها ولكن ذكرت في القرآن كما في قوله تعالى : { فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) } سورة الرحمن . , أي تسرحان في الجنة أحدهما من ماء غير آسن والأخرى من خمر لذة للشاربين , وفي موضع آخر من سورة الرحمن يصف المولى جل جلاله عينان أخرى من عيون الجنة بأنها : { نَضَّاخَتَانِ } , أي تفور وتنضخ بالمسك والعنبر على دور أهل الجنة كما ينضخ المطر على دور أهل الدنيا (4) .
تخيلي أيتها الغالية يمر نهر العسل عن يمينك .. وعن شمالك يجري نهر الخمر واللبن .
فهنيئاً لك أيتها المشتاقة هذه المناظر الخلابة التي تأسر القلوب وتأخذ بالألباب والعقول .. فتلك العينان التي تسرحان في الجنة لسقى تلك الأشجار والأغصان فتثمر من جميع الألوان والأخرى التي تفيض بالروائح الزكية .. فسبحان المبدع الذي أحسن كل شيء خلقه .
(1) الجنة والنار ( أ . د عمر بن سليمان الأشقر ) ص168 .
(2) تفسير ابن الكثير (8/353) .
(3) تفسير ابن الكثير (8/292) .
(4) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ( لابن القيم ) / ص121 .
إلى هنا فقد أنتها الفصل السابع