السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
النجر في الشعر النبطيّ
النِجر هو أداة دق القهوة والهيل خاصةً، وإذا دق به غير القهوة والهيل، فيحرص على أن لا يكون للمدقوق في النجر باقياً، يسىء إلى طعم ورائحة القهوة، فلا يدق به، إلا ما كان طيب الطعم والرائحة،
غير قابل للإلتصاق في داخلي النجر، على اعتبار النجر، يستخدم استخداماً خاصاً بالقهوة، وما يصاحبها من مقبلات،
مثل البهار، والمسمار، وغير ذلك 0
وأفضل أنواع النجور نجر الماو، الذي يبعد صوته، فيشد سماع كل من كان حوله، ويجذب إليه كل من أراد أن يحضر قهوته 0
ونظراً لاعتبار القهوة، رمز الرجولة، والكرم والشجاعة، فإن العرب لا يقولون قصيدة تتطرق إلى خصال الرجال الكريمة،
التي أجلها الشجاعة، والكرم، والوفاء، والعفاف، والنزاهة، واحترام روابط القربى، والنسب، والجوار، وغير ذلك، تعبيراً عن إجلال هذه الصفات، ومكارم الأخلاق الفاضلة، والمتفرد بها من الفرسان، والكرمى، واعتبار من يتصف بها يستحق الاكرام، والتبجيل، حتى وإن ساد الاستغنى عنه، ونسي فضله، واصبح مثله مثل اصحاب الصفات الذميمة، لعدم وقوع ما يميزه، بمزاياه التي لا يشق له بها غبار، ولا يناظره بها مناظر، التي لا ند، ولا منافس له بها 0
ولعلك أخي القارىء تلاحظ إن سوق الفنجال الأول، على اصحاب الصفات المحمودة، الذي يجمع الشعراء على فعله، فيأمرون سائق القهوة بأن يبدأ بالشجاع، ثم الكريم، أو بالعقيد أو الشيخ، ثم الشجاع، ثم بالكريم، ويعديه عمن سواهم من الرجال، عادة غير صحيحة، ولا معتاد عليها أحدٌ من الناس، ومن الأدلة على ذلك، القول المأثور والمشهور عند كل الناس، لأنه يعتبر مثلاً يتمثل به، كل حكيم، وعاقلٍ، عند ما يشك أو يتحير سائق القهوة على أي الجالسين، يسوق أول فنجال، وهو القول الحكمة، الذي ينسب إلى أبي زيد الهلاليّ، وهو قوله: { سِقْ يمينك، ولو أبو زيدٍ يسارك }، حتى اصبح قولاً مثلاً يمتثل، وحكمة يحتكم إليها، ويستشهد بها، ويعالج بها كل خلاف يقع حول سوق أول فنجالٍ، عدما تجهز القهوة، فيقوم القهوجي، الذي عملها، أو الذي أوعز إليه بصبها 0
والذي كما أن من المتعارف عليه، والمتداول بين الناس، هو سوق أول فنجالٍ، على الضيف، الذي عملت لاكرامه، سوى جددت،أو عملت لأول مرة، أعني أن بعض سوق الفنجال الذي يشير إليه الشعراء بأشعاره، هو سوق أول فنجالٍ، من القهوة التي عدت جديدة، فجذب إليها النجر، وتكون المجلس، من عددٍ من الرجال حولها، بسبب سماع صوت النجر، أو لأنهم يرون صاحبها وهو يعملها 0
والقهوة المجددة، هي التي تعمل اكراماً واعتباراً لضيفٍ، أتى إلى مجلسٍ رجالٍ، حول قهوة قديمة، فالضيف خاصةً، لا بُد من أن تجدد له القهوة، أي لا يعتبر وجود القهوة، وسوق الفنجال إليه منها حتى يكتفي من تناولها، اكراماً له، بل يقهوى من القهوة الني ليست له، ولا يرى قيمته واعتباره، من مضيفه إلا إذا رآه يسوق إليه القهوة، التي لم تعمل له، قد سبقه عملها، ويجهز أخرى جديدةً، خاصةً بالضيف كتعبيرٍ عن معزته، والقيام بواجبه، كضيفٍ غريبٍ له، ولقومه الكرامة، والاحترام، عند المضيف، وقومه 0
فهاتان الطريقتان لا مشهورتان، عند الناس، ولم يشار إليهما بأدبٍ مأثورٍ، كالشعر ولا الأمثال، عدا الأولى، التي يستدل عليها بالقول المتخذ مثلاً، والمروي عن أبي زبيد الهلالي 0
وهناك حالتين الأولى متعارفٌ عليها، وتجري مجرى العُرف، والقانون المعتاد، وهي سوق أول فنجال إلى أكبر الحاضرين مقاماً في المجلس، أو المكان، الذي تساق فيه القهوة، كالأمير، أو الأكبر سناً، وجاهاً، والحالة الأخرى، هي أن من المألوف أيضاً، والمستحسن، والذي لا يدع مجالاً للطعن في فاعله، ولا انتقاداً، هو سوق أول فنجالاً على والد القهوجي، ومن ثم يستدير القهوجي إلى جهة اليسار، عكس اتجاه عقارب الساعة، فلا يتجاوز بفنجالٍ إلى شخصٍ عن شخص، بل يسوق الفناجيل عليهم، بالتتالي، وبلا تعدي 0
أما ما يحث على فعله الشعراء باشعاره، وهو أن أول فنجالاً، من حق الشجاع، والثاني الكريم، أو الأول للأمير أو العقيد، أوالثاني للشجاع، والثالث للكريم، فهذا ليس من عادات العرب، وغير دارج ولا معتاد عليه عندهم، وليس المقصود به عند الشعراء أن يفعل فعلاً، بل يقصدون به استحقاق اصحاب هذه الصفات للاكرام، لأنه يعلمون أن القهوة، ليست ماء يدفع به الظمأ، ولا غذاءاً يتغذى عليه جسد شاربه، وإنما هي كرامة للنفس، تكسبها غذاءً معنوياً، يمدها بالانتعاش الفكري، والهدوء الروحي، فهي غذاء معنوي، مثله مثل الافتخار، والاعتزاز بالحمد، على الأفعال الحميدة، التي يطرب لها الممدوح، أو السامع الذي يشمله مدح من مدح بها، لأن الذكر الحسن يكسب المذكور به فخراً يجد منه المحمود به زيادة معنوية عمن سواه، وليس غذاء مادي، يجد به المطعم به زيادةً في مادة جسده، فهي وإن كانت طعام، يعتبر من المواد الغذائية، لكونها مادة، و فيعتبر مثلها مثل كل مادةٍ، المكسب المستفاد منها مادي، إلا أن المكسب من القهوة، هو تنبيه موقتاً، لا يلبث أن يزول، مثله مثال أي مكسبٍ معنوي، يرفع معنوية من اكتسبه، ولا يلبث أن ينسى، ولا يعيده إلا ذكره، أو الشكر عليه، وهو الفخر والاعتزاز 00
فهؤلاء الشعراء يريدون بهذا التفضيل، والمدح الحث على الخصال الحسنة، ليحرص السامع على التحلي بها، والتذكير بعلو قدر صاحبها، وفضل دوره المحمود على من عداه، والذم للخصال القبيحة، والحث على تحاشيها، على اعتبار إن الأولى مكارم أخلاقٍ، يتصف بها الكرام، والثانية مثالب وعيوب يتصف بها اللئام، لا على معنى إنهم يريدون بهذه المعاني ظاهرها، ولكن يقصدون بها معانيها غير المباشرة، كما ذكرت سابق 0
والدليل على أنهم لا يقصدون بأقوالهم هذه معانيها المباشرة، إن معانيها المباشرة، يمتنع مع تطبيقها، عادات أخرى محمودة، وهي التسامح، والتواضع، واحترام الصغير للكبير، مرعاةً لفارق السن، وعطف الكبير على الصغير، كذلك يمتنع كون النصائح التي تحث على الفعال الحسنة، تقال مخاطبة لجميع الناس، على اعتبار إن كل إنسانٍ يستمع إليها يتمتع بها، أو قابلاً للوعي بمعرفتها، والتنبه إلى ما فاته من فعلها، فيستفيد منها ببلوغه مرحلة النضج، أو بالاكتشاف لما له أو عليه، من أفعال، وحقوق، والشعور بالمسؤولية، واليقظة إلى ما يجب وما لا يجب، فلا يفوته فعل فعل طيب، ولا حفظ حكمة نافعة تدل على صفة طيبة، بينما لو كان المقصود بالشجاع، والكريم، أشخاصاً معينين لا وجود لغيرهم، والمعنى المقصود تفضليهم على غيرهم، وهو سائر الناس، لامتنعت استفادة الجميع من ذكر هذه الخصال، المصرح بها، ولكن المقصود هو إن كل إنسانٍ لديه اقبالٍ، على حفظ العلوم النافعة، وفيه همة وعزيمة على كسب أفضل الخصال، مقصود بهذه الخصال، ولا يلزم نحوه من الشعراء أو غيرهم، سواء تعليمه خصال الشرف، ليتشرف بها، وخصال النقص، والعيوب ليتقيها 0
فمهما أجمع الشعراء على أن المستحق لأول فنجالٍ هو صاحب إحدى صفتين كريمتين، هما الشجاعة والكرم، مثل قول الشاعر الشيخ هايس بن مجلاد الدهمشي العنزي:
عده لمن قاد السرايا للأجناب=له مفرسٍ يشبع به الطير والذيب
إلى أن قال:
وباقي العرب يكفيهم التول لا شاب=قضابة المجلس حمير المشاعيب
اللي نهار الكون يفزع بمصلاب=اكبار الأنفس ساهجين المواجيب
وقول الشاعر الشيخ ذعار بن مشاري بن ربيعان الروقي العتيبي:
صبه لمن هو تنثر الدم يمناه=يثني جواده عند راعي اللدوحي
إلى أن قال:
وباقي الرجال فحول نسوان ورعاه=ضباط مال وحافظين السروحي
وراع الرداء ما أحدٍ إلى مات ينعاه=لا صار محرومٍ جبانٍ سحوحي
وقول الشاعر الشيخ مدوخ بن ضمنة المطيري:
عده على اللي ماضياتٍ طعونه=زبن اللدوح اللي تردا جهدها
إلى أن قال:
وكفه عن اللي عند فرقه بشونه=يمسي ويصبح ضابطٍ لك عددها
وعلى ربوعه طايراتٍ عيونه= لا باع شاته جاك حزة وعدها
هذه القصائد، وغيرها مما يحث به على العادات الطيبة، تشير كما ذكرت، إلى ما يدعو إليه النجر، وهو القهوة، وفنجالها، وسوقه، وهو المقصود بقولهم: عده إلى تعد وأنت تحمل أول فنجال للقهوة يصب على الحاضرين، كل من في طريقك إلى أصحاب الصفات الطيبة، المشهورين بها، وأعطه الفنجال، وباقي الجلوس لا يهمك أيهم أول، لأنهم لا حق لهم عليك، حتى تراعي مشاعرهم، وتحاشى التقصير بحقوقهم، ولئلا يحجونك بحقوقهم عليك بحجة مصيبة، لأن من لم يكن معروفاً بالصفلت الطيبة، لا يهتم بها، فلا يهتم بما له، ولا ما عليه من الحقوفق والواجبات، فالجزاء من نوع العمل، وهو حق الذي يجب أن يجازون به، ويتحاشون معاملتهم به، فيعمون طيباً لجازون بجزاءٍ طيبٍ، وليس المقصود أشخاصاً مشهورين بهذه الصفات دون غيرهم، لأن القدر بالصدر، لا بالقدر، أي القدر يجب أن يكون معنوي، لا مادي، لأنه غذا كان مادي، ينفد بنفاد مادته، وإذا كان معنوياً فهو خلقٌ كريمٌ لا يذهب هدراً عند الله، وعند الناس 0
أما التعامل من حيث القدر المعنوي، وهو اظهار اكرام الشخص، واعزازه، حتى وإن كان ليس كريماً ولا عزيزاً، فهو مطلوب ومفعول عند سائر الناس، ويعتبر عادةً حميدة مطلوبة من كل فرد، حيث ترى قدر الشخص في استقبال الغير له، باظهار الحفاوزة له، بالبشر، وباعتباره صاحب مكارم أخلاق، فلا يجعل له حق ليس لغيره، بل يعتبر من عامة الناس، ما عدا الشيوخ، والأمراء، فإن لهم مكانة من القدر لا تخفى على أحدٍ من الناس، ولا يستوجب أشعار ولا حكم تعرف بها، لهذا ترى أفراد المجلس إذا قدم إليهم رجلٌ من قومهم، أو جيرانهم، فزوا بمقدمه، وأظهروا له البشر، والرضى عنه، و دعاه كلٌ منهم ليحل محله على المتكأ الذي يتكئ عليه، منادياً له باسمه الذي هو أحب الأسماء عنده، أما بكنيته، مثل يا أبو فلان، فيقال له: تعال هنا يا أبو فلان، أو تعال هنا يا الأمير، أو أكدوا له رغبتهم واصرارهم على أنهم جادين بما يقولونه له، وهو إنهم يفضلونه على أنفسهم، فيحلونه محلهم من المجلس، متى تعذر عليهم دعوته بكنية مدح، وخصوصية، فيدعون ويقسمون عليه، أن لا يعصى لهم طلب، نحو: تعال هنا، فإذا رآوه قعد بمكانٍ ليس مركى، قالوا: علي الحرام لتقوم وتجئ هنا، يقوله أحد الذين قاموا له، ونادوه ليجلس في مجلسهم00
ومن الدليل على الاحتفاء بالزائر للمجلس، ليشارك الجالسين فيه، بجلوسهم، وأحاديثهم، مهما كان مستوى منزلته بين الناس، ومهما كانت علاقة المعرفة به، قول عبيد بن علي بن رشيد، الذي يفخر ويعتز به، بكون من صفاته الطيبة، والتي ليست له محدثة فيه، بل متوارثة عنده من أبٍ عن جدٍ، متأصلة في سلفه من عهد بعيد، حتى ولو كان بعض الناس يراها عيب لا طيب، فهو عيبه، وعيب سلفه الذي يتصف به، ولا يجد له مخرجاً منه، ولا عذر في تركه:
ربعي لقو بي عقب ما شبت أنا عيب=عيبٍ لقوه مفسرين الحلامي
قلت أخبروني وش لقيتم من العيب=قالو على ساقة خويك تحامي
والعيب هذا من قديمٍ لنا عيب= مستارثينه من خوال وعمامي
خوينا لو هو من الجد بصليب= متجودٍ منا براس السنامي
وخوينا ما نتركه للقصاصيب=يجبر بنا لو هو كسير العظامي
وهاذي فعايلنا إلى عدو الطيب=وكلٍ يعود لفعل أهله القدامي
وهذه القصيدة قالها رداً على قول أحد جلسائه واسمه محسن الملا، حيث قال عبد الله بن علي بن رشيد وأخوه عبيد بن علي بن رشيد لمحسن: أخبرنا بما فينا من صفات طيب، أو صفات عيب، لأن الإنسان، لا يرى طيبه ولا عيبه كما يراه الناس ؟
فقال محسن الملا: حطوني في وجوهك، أي اعطوني الآمن على حياتي،فقالوا: انت في وجوهنا، أي ولك الأمان، فقال:
أنت يا عبد الله حار، وتخطئ على حمائل أهل نجد إلى في معاملتك لهم، عكس عبيد لو يسلم من تقدير لساهي الصلبي 0
فقال عبيد: من اي جهة تعيب علي بساهي ؟ قال محسن: في إنك إذا رأيتي جاء إلى مجلسٍ أنت فيه، ضليت تطالع له، حتى يجد مكناً يليق بمقام الإنسان المحترم، العزيز، وإلا قلت له: تعد على المركاء يا ساهي، أو قم إلى المركاء يا ساهي، فقال عبيد: حتى لو كان ساهي الصلبي رجل كامل صفات الرجولة، ويتشرف بزيارة مجلسه، ليؤنسي وويؤنسه غيري ممن يجلس فيه، لا تريد مني أن اقدره، واحترم زيارته، ورجولته، مثله مثل أي رجل ؟ !
قال محسن: نعم، لا أريد منك أن تحترم صلبي هتر لا تحترمه العرب كله 00
وساهي هذا من رواد وزوار مجلس ابن رشيد المعروفين بذلك، وكان عبيد لا يحترم كل إنسان كائناً من كان، وكان عبيد محط رحال شيوخ أهل نجد، ومحل تقديرهم، لسعة صدره، واحترمه لكل رجلٍ محترم 0
وساهي الصلبيَ هذا من مرتادي وزوار مجلس بن رشيد العام، الذي يحضره أحياناً، فيرى محسن احتفاء عبيد
النجر لولا دنته وش نبي به
ورد في قصيدة الشاعرة الدخيل العواد {نجر ماو }: ونجر الماو، أو الماوة، شكلٌ من النجور، شديد الصوت، وسبب كونه أشد شدة صوتاً من الأنواع الأخرى، وهو إنه مصنوع من حديد الماو، الذي يحدث نقره بحديدة أخرى صوتاً رفيعاً مدوياً طويلاً، أي يستمر صوت الماو أو الماوة،لوقتٍ طويلٍ، وهو يلج كأن صوته يهتز اهتزازاً موسيقياً، يكسب الصوت جمالاً موسيقياً، وشدة صوت النجر، التي تبلغ سماع أبعد مسافة ممكنة من موقعه، ميزة لا يستغنى عنها، لوالغرض منها، دعوة رجال مجلس القهوة، الذين يتواجدون إلى صوت النجر من كل حدبٍ وصوب، لأن القهوة إذا عنملها صاحبها، لم يعملها لنفسه فحسب بل، لأنه يعلم أن جيرانه، وعابري السبيل سيأتون إليه، ويشاركون بشربها، وتبادال الأحاديث، والأخبار على شرب هذه القهوة، التي النجر آلة دقها، وإشعار ورمز الدعوة إليها 0
والنجر شديد الصوت محل اعتبار وتقدير الجميع، و مما قيل في معارضة من يعارض هذا الرأي السائد:
النجرلولا دنته وش نبي به=اللي يشير بقضبته لا يجينا
نقدر نبيعه ونشتري به خشيبه =تقضي اللزوم وحسها ما يبينا
فهو يقول أنه لا يريد مجئ من لا يريد ارتفاع صوت النجر، وبقبض على طرفه عند دق القهوة به، حتى لا يُسمع له صوتٌ، في حين أنه بإمكانه أن يبيع النجر، ويشتري ببعض ثمنه خشيبةً تقوم مقامه، لو اعتبر القبض عليه أمراً صحيحاً، وعادةً محمودة، ولا يضل مشغولاً بمعاناة قبضه، وكتم صوته، الذي حلها بيعه، وتوفير بعض ثمنه، وشراء بقليلٍ منه، نجر خشبة، يقضي لزومه، ويوفر عليه القبض على صبر نجر الماو 0
النجر طق وجاذب كل مـرار
ومن الشهود الشعرية، على أن النجر يستخدم لجذب الجيران، وعابري الطريق،إلى شرب القهوة التي تدق فيه، قول الشاعر
الشيخ تركي بن حميد:
يا ما حلا يا عبيد في وقت الاسحار =جر الفراش وشب ضو المناره
مع دلة صفرا على صالي النار =ونجرا الى حرك تزايد عبـاره
النجر طق وجاذب كل مـرار =مالفه الملفوف من دون جـاره
راحت فناجيل الضحا لام ديدين
ومن الأدلة على اعتبار النجر، لا يتم استعماله إلا من قبل الرجال، وخاصاً بدعوة، وإكرام الرجال، بصورة أقدمية مطلقة؛ استغراب الشاعر حنيف بن سعيدان المطيري:
راحت فناجيل الضحا لام ديدين=اللي تملي صدرها من لبنها
اللي ليا منه غدا الليل ليلين=تزعل إلى من الجمل ما طحنها
قال هذه الأبيات عندما رأى اقبال النساء على القهوة، وجعلها إكراماً لكل زائرةٍ، أو وافدةٍ من بعيد، فلا تخلو مجالسهن، من وجود قهوة كما هي الحال لدى الرجال، ولم يكن حنيف يتوقع أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، كما يحصل في عصرنا اليوم، أن القهوة ونجرها من أدوات المرأة في المطبخ، والنجر لم يكن مستعملاً اليوم نفس الاستعمال في الأمس، وإنما يستخدم كرمز تراثي يجسد عادات السلف، بعد أن استبدل ضمن ما استبدل من أدوات تجهيز القهوة القديمة، بأدوات حديثة، تناسب مع مقتنيات العصر، اسهل استخدامٍ، وأفضل فعالية، فقد استبدل النجر بالطاحونة، والدلة بالدفاية 0
ونجر ماوٍ يدعي الغادي يدلي
تقول الشاعرة وضحى الدخيل العواد من شعراء الزلفي، على لسان دلة القهوة عندما رأتها مركاة على النار،
إلى جانب قدر الطعام، فاساءها ذلك المنظر و تذكرت مكان الدلة في الماضي، وهو عند الرجال ، وتعمل
بأيديهم بخصوصية خاصة ، بعيدة عن روائح الطبخ:
عقب ما هو مركبي قدم الرجالي=قمت انقّل من محل اليا محلي
صرت من حسبة قدورك عز تالي=ول يا عصر الفلس جعلك تولي
فقالت وضحى ردا على الدلة:
اصبري في صبرنا والعمر بالي=آه وا ويلاه يا عصور مضن لي
ما جرى لك يا دلالي كد جرا لي=والليال اللي مضن لك كد جرن لي
فقالت الدلة:
يوم أنا محشومةٍ قدمي مزالي=ونجر ماوٍ يدعي الغادي يدلي
ماحلا الفنجال بأيمان العيالي=بين شيبانٍ وشبانٍ تسلي
وضحى:
يا عزيز الشان يا منش الخيالي=ارحم اللي دمعته دلت تهلي
كيف هيضتي جروحي يا دلالي=اسمعي يادلتي وإلا فولي
الدلة:
ما سمعنا لك وعندي لك نكالي=باشتكيكم والمحاكم لي تحلي
كيف يام حسين ما ترضينها لي=كيف أشوف الغبن واسكن واستهلي
وضحى:
الشرايع ما تقول إلاّ العدالي=وكل ما قالت بشرعه جايزٍلي
وأن شكيتيني هجرناكم ليالي=من بريقٍ بالترامس نازلٍ لي
الدلة:
الترامس ذوقها ما هوب حالي=وا عسى كل الترامس فدوةٍ لي
اري الرسلان لو هو كان غالي=واركيالدله وبالرسلان زلي
ودقه بنجرٍ يسمعه كل طرّاش
يقول الشاعر الشيخ مشعان بن مغيليث بن هذال، شيخ قبيلة عنزة:
يا ابن مهاوش كب حمسات الأدفاش=تجيك حمسات البنابج بها سود
ودقه بنجرٍ يسمعه كل طرّاش=أيضاٍ إلى حرّك على الهون به زود
وحطه بدلة مولعٍ كنها الشاش=وأبـهارها مقدار خمسة عشر عود
الهيل حطه لاتدانا ولا جاش=ومن الزباد أقنع على شذرة العود
لذاذة الدنيا معاميل وفراش=وصينيةٍ يركض بها مثل مسعود
في ربعةٍ يفرح بها كل هتاش=يفرح بها اللي من دناياه مضهود
نجرٍ يصيح من السكر تقل نعاب
ويقول الشيخ الشاعر هايس بن مجلاد، شيخ الدهامشة من عنـزة:
قم سو ما يصبغ على الصين ياذياب=بدلال يشدن البطاط المحاديب
احمس إلى من العرق فوقها ذاب=واستدن ما يجذب عليك الشراريب
نجرٍ يصيح من السكر تقل نعاب=يصبر على طول السنه بالمواجيب
وإلى انطلق من ثعبته كنه اخضاب=ورسٍ صبغ بكفوف بيض الرعابيب
عده لمن قاد السرايا للجناب=له مفرسٍ يشبع به الطير والذيب
والثاني اللي ولا لفا بيته ركاب=قدام بيته مثل جزر القصاصيب
والثالث اللي لا غشا الزمل ضبضاب=يرخص بعمره دون زمل الرعابيب
وباقي العرب يكفيهم التول لا شاب=قضابة المجلس حمير المشاعيب
اللي نهار الكون يفزع بمصلاب=اكبار الأنفس ساهجين المواجيب
تسمع دنين نجورهم عند الأذان
ومما قال الشاعر ضيف الله الديحاني الوهبي الحربي، يصف قومه عند ما يأتيهم الضيف، من قصيدة طويلة:
اللي مناختهم تقل حرث فدان =البن يحمس والمقهوي فطيني
تسمع دنين نجورهم عند الأذان =كلٍ يقول لضيفكم عازميني
حربٍ دنين انجورهم يرجفنا
ويقول شاعر غيثي، يصف قبيلة حرب في معرض قصيدةٍ له طويلة:
حربٍ دنين انجورهم يرجفنا= ونيرانهم مثل البروق اللهاليه
يا ليتنا منهم والأجواد منا=يا سعد منهم عزوةٍ يعتزي فيه
يا نجر ياللي للمشقّى ولاعه
للشاعر الشيخ مجول بن دهيم، القصيدة الآتية، قالها في نجرٍ له عزيزاً عليه، طلبه منه شخصٌ ، فلم يستسغ الشيخ مجول ذلك الطلب ، فقال مخاطباً النجر:
يا نجر ياللي للمشقّى ولاعه=ياجاذب الطرقي على هجعة الناس
ياللي على الشطات هاذي طباعه =واعطيه حقّه يوم الأرياق يبّاس
لْيَا هظل ركبٍ بليلٍ مجاعه=ياكثر ما نكسِر على كفّك الراس
ويا طول ماصكو عليك الجماعه=للهيل دقّاقٍ وللبن حمّاس
يا حيف ياقولٍ بْلَيَّا وقاعه=لاصار ما تأخذ معانيك بقياس
وترى الولع من فوق قبَّا زعاعه=لا حرّفو صم الرمك عقب مرواس
والضرب من يمْنَى صبي الشجاعه=والعبد مكتوبٍ مصيره بقرطاس
يا عبيد هات النجر وأدن المعاميل
هذه القصيدة القديمة، لأقدمية وشهرة بيتٍ من أبياتها، عند كل الناس، وهو:
الدله اللي ما بها البن والهيل = مثل العجوز اللي خبيث نسمها
لكن مع الأسف إنني لم أحصل على معرفة قائلها، وإنما وجدت وجدت هذه القصيدة المعروفة، المجهولة، التي لا بد من أن يهم انزالها الكثير من الناس، لأنهم يعرفون السابق منها، ولم يعرفوا إن لها بقية، كهذه البقية، التي تعتبر قصيدة كاملةً، حتى وإن لم تكن كاملة في الصل، ولكنها، كاملة من حيث تجاوز عدد أبياتها الحد الأدنى لمسمى القيدة، ولأنها تحتوي على العديد من المعاني التي تعبر عن اعتزاز الشاعر الذي قالها، وافتخاره، بكرمه،وشدة إنتمائه إلاجتماعي، وإعجابه باتحاد الجماعة، وتمسكهم بالعادات الحميدة، التي من رموزها القهوة، والنجر:
يا عبيد هات النجر وأدن المعاميل =يا ابن الاكرام اللي دلاله حشمها
الدله اللي ما بها البن والهيل = مثل العجوز اللي خبيث نسمها
درغام بهرها يا درغام الليل = ويا خوي زيد بهارها من عدمها
افرح أليا جوني فحول الرجاجيل = وامطر عليهم فايض من كرمها
وعزي إليا جاء البيت سربة محاويل = الصبح يوم البدو تطلق بهمها
احمس واهلي بين هجس وغرابيل = واسكب عليهم زعفرانٍ بفمها
يا دلتي طابت معاكي التعاليل= بين الشيوخ اللي ثقيل زخمها
بالمجلس اللي ما بها القال والقيل = والمسعد اللي له ربوعٍ خدمها
يا ما حلا يا جمعنا والتعاليل = وجماعةٍ ربك على الخير لمها
تلقى بهم يوم الملاقى التهاويل = لو العداء ميتين فارس قحمها
و إليا اعتلو من فوق سرد من الخيل= يفرح بها خيالها لنهمها
لعيون زينات البنات الهلاهيل =وجاء ينتخي كرمال أبوها وعمها